ثقافة / فن

الزمن الميسر: نظام جديد في منظومة التعليم العالي لتيسير ولوج الموظفين والأجراء إلى الجامعة مدى الحياة

بقلم: د. محسن بناني امشيطة

عميد الكلية المتعددة التخصصات بالعرائش – جامعة عبد المالك السعدي

لم تعد الجامعة في العصر الحديث مؤسسة مخصصة لاستقبال الطالب في مرحلة عمرية محدودة تنتهي بانتهائها بمجرد حصوله على شهادته، بل أصبحت التحولات المتسارعة في ميادين المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد تُلزمها بالانفتاح على المتعلمين في مختلف مراحل حياتهم، وتقتضي منها أن تظل فضاءً مفتوحاً يمكن العودة إليه كلما تجددت الحاجة إلى التكوين أو إعادة التأهيل. غير أن تحقيق هذه الغاية كان يصطدم في أرض الواقع بمشكلة عملية بالنسبة للعاملين في القطاعين العام والخاص، تتمثل في كيفية التوفيق بين الالتزامات المهنية ومتطلبات العودة إلى الجامعة، وهو الإشكال الذي وجد حله في نظام “الزمن الميسر” الذي يقوم على تكييف الزمن الجامعي مع وضعية العاملين، بما يسمح لهم بمتابعة تكوين نظامي خارج أوقات الدوام المعتادة.

لقد وجد هذا التوجه سنده في نصوص قانونية عدة، تمثلت في إقرار النظام الأساسي للوظيفة العمومية لمبدأ التكوين المستمر، ونص المادة 23 من مدونة الشغل على حق الأجراء في الاستفادة من برامج التكوين، ثم القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي كرس مبدأ “التعلم مدى الحياة”، وأخيرا القانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي الذي أقر إمكانية تنظيم التكوين الأساسي في إطار توقيت ميسر.

أولاً: المفهوم والضوابط الأكاديمية

يمكن تعريف نظام التكوين في إطار الزمن الميسر بأنه تنظيم خاص للزمن الجامعي يُمكن الفئات العاملة من متابعة الدراسة في أوقات لا تتعارض مع التزاماتها المهنية، مع الحفاظ التام على جميع المقومات الأكاديمية والبيداغوجية للتكوين الأساسي. ولا يمثل هذا النظام تكويناً جديداً أو مساراً جامعياً موازياً، بل هو تكييف زمني بحت لطريقة تلقي نفس التكوين، إذ يخضع الطالب في هذا النظام لنفس شروط الولوج والانتقاء المطبقة في تكوينات التوقيت العادي، بما فيها المسالك ذات الولوج المحدود، ويتلقى تكوينه تحت إشراف نفس الفرق البيداغوجية، وفق نفس الضوابط الوطنية، ويجتاز نفس الامتحانات ويخضع لنفس معايير التقييم والمداولات، ويحصل في نهاية المطاف على شهادة لها نفس القيمة الأكاديمية والقانونية. وعليه، فإن الاختلاف الوحيد ينحصر في تنظيم الزمن وليس في مستوى التكوين أو جودته.

ثانياً: المبررات والفئات المستهدفة

ينطلق نظام الزمن الميسر من معالجة إشكالية واقعية تتمثل في تعارض الزمن المهني مع الزمن الجامعي التقليدي، حيث لا يستطيع الموظف أو الأجير أن يكون في مقر عمله وفي الجامعة في آن واحد، مما يجعل الولوج إلى التعليم العالي متاحاً من الناحية القانونية، لكنه قد يظل صعب التطبيق من الناحية العملية. وتزداد صعوبة هذه الإشكالية عندما يكون العامل، أجيرا كان أو موظفا أو صاحب مهنة حرة، راغباً في استكمال تكوينه الجامعي وتطوير مؤهلاته، دون أن يجد إطاراً زمنياً وتنظيمياً يتيح له متابعة دراسته خارج أوقات عمله، ليجد نفسه أمام وضع صعب يخيره بين الالتزام بواجباته المهنية أو تحقيق طموحه الجامعي، وهو ما قد يدفعه، في بعض الحالات، إلى اللجوء إلى الغياب أو الإخلال، ولو بصورة غير مقصودة، ببعض الالتزامات المهنية من أجل حضور الدروس والأنشطة الجامعية.

يأتي نظام الزمن الميسر، إذا، لتقديم إطار منظم ومتوازن يسمح بالتوفيق بين العمل والدراسة، والحد من الحاجة إلى الغياب عن العمل، وتمكين العاملين من تطوير مؤهلاتهم دون التخلي عن نشاطهم المهني، مع احترام انتظام المرفق العمومي ومقتضيات العمل. وبذلك، لا يقتصر النظام على تيسير الولوج إلى الجامعة، وإنما يوفر أيضاً آلية مؤسساتية تساعد على تحقيق التوازن بين حق الفرد في مواصلة تكوينه وتطوير مساره العلمي، وواجبه في الالتزام بمسؤولياته المهنية، بما يعطي مضموناً عملياً للحق في التعليم والتكوين المستمر.

ثالثاً: الإطار المؤسساتي والتنظيمي والبيداغوجي

يستند نظام الزمن الميسر إلى مرجعية قانونية ومؤسساتية تؤطره ضمن منظومة التعليم العالي، حيث أضفى عليه القانون 59.24 أساساً تشريعياً واضحاً، فيما عملت المؤسسات الجامعية، من خلال أنظمتها الداخلية المرجعية، على بلورة آليات تنظيمية تتيح للموظفين والأجراء متابعة الدراسة الجامعية، مع الحفاظ على المعايير والمقومات الأكاديمية المعتمدة في التكوينات الجامعية.

وعلى المستوى التنظيمي والبيداغوجي، يقوم هذا النظام على برمجة الدراسة خارج أوقات العمل الرسمية، وايضا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتوفير البنية اللوجستية والخدمات الإدارية الضرورية لضمان حسن سير التكوين. كما يعتمد، كما تمت الإشارة إليه آنفا، نفس الأطر والفرق البيداغوجية، ونفس معايير التقييم ومساطر الامتحانات المعمول بها في التكوينات العادية، بما يكرس مبدأ “زمن مختلف، تكوين واحد”؛ إذ لا يتعلق الاختلاف بطبيعة التكوين أو قيمته الأكاديمية، وإنما بطريقة تنظيم الزمن بما ينسجم مع خصوصيات الفئات المستفيدة والتزاماتها المهنية.

رابعاً: لماذا يتم استخلاص الرسوم؟

من منظور تدبيري، يقتضي تنظيم التكوينات في إطار الزمن الميسر توفير موارد مالية تمكّن المؤسسة الجامعية من تحمل التكاليف الإضافية المرتبطة بهذا النمط من التكوين، سواء على المستوى البيداغوجي أو الإداري أو اللوجستي. وفي هذا السياق، تندرج الرسوم المستخلصة عن هذه التكوينات ضمن الموارد المخصصة لتغطية المصاريف التي يقتضيها تنظيمها وضمان حسن سيرها، بما يشمل توفير التأطير البيداغوجي، وتهيئة الفضاءات والتجهيزات، والخدمات الإدارية واللوجستية المرتبطة بالتدريس والتقييم والامتحانات.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الرسوم باعتبارها مقابلاً لتكوين يختلف في قيمته عن التكوين الجامعي العادي، وإنما باعتبارها آلية مالية تساهم في تحمل الأعباء التي يفرضها تنظيم الدراسة خارج التوقيت الجامعي المعتاد. فالتكوين، في جوهره، يظل خاضعاً لنفس المعايير الأكاديمية والوطنية، ولنفس الضوابط البيداغوجية المعتمدة في المؤسسة.

 خامساً: الآثار المتوقعة والقيمة المضافة

لا يقتصر تأثير الزمن الميسر على كونه حلاً تنظيمياً لتوفيق بين العمل والدراسة، بل يمتد ليشكل رافعة متعددة الأبعاد تمتد آثارها لتشمل مختلف الفاعلين. فبالنسبة للشخص العامل، يفتح هذا النظام باباً للعودة إلى الجامعة دون المساس بالاستقرار المهني، مما يجعله فرصة لتجديد المعارف وتطوير الكفاءات وتعزيز الآفاق الوظيفية، فيتحول العمل والدراسة إلى مسارين متكاملين. وبالنسبة للجامعة، يمثل الزمن الميسر أداة للانفتاح على المجتمع واستقطاب فئات جديدة من المتعلمين، تثري تجاربهم المهنية النقاش الأكاديمي، وتقرب التكوين من الواقع العملي، وتعزز البحث التطبيقي، فضلاً عن تنويع الموارد الذاتية وتوفير إمكانات إضافية لتطوير الأداء. أما على مستوى سوق الشغل، فيسهم في بناء قوة عاملة أكثر قدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، مما يقرن التكوين الجامعي بمتطلبات الواقع المهني. وعلى صعيد المجتمع، فإن أثره الأعمق يتمثل في ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة، وتوسيع دائرة المستفيدين من التعليم العالي، وتحويل الجامعة من مؤسسة ترتبط بمرحلة عمرية إلى فضاء مفتوح يرافق الإنسان في كل مراحل حياته.

كخلاصة يمكن التأكيد على أن التكوين في إطار الزمن الميسر يمثل تحولاً في فلسفة الجامعة ووظيفتها الاجتماعية، إذ ينقلها من تقديم الخدمة في فترة عمرية محددة إلى مرافقة الفرد في مساره المهني بأكمله. ولا يقوم هذا النظام على تخفيف متطلبات التعليم الجامعي، بل على تيسير الزمن مع الحفاظ الصارم على المعايير الأكاديمية، فلا انتقاء أقل صرامة، ولا تكوين أقل جودة، ولا شهادة أقل قيمة. وإنما هو مرونة في الزمن، وصرامة في الجودة، وشفافية في الحكامة. وبذلك، فإن الجامعة التي تفتح أبوابها للعامل لا تمنحه فقط فرصة لمواصلة دراسته، بل تعيد تعريف علاقتها بالمجتمع لتصبح مؤسسة لا تستقبل الإنسان في بداية مساره فحسب، بل ترافقه طوال حياته، وتظل رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفاعلاً محورياً في بناء مجتمع المعر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى